ابن خلدون
109
رحلة ابن خلدون
وغفلت عن التحفّظ في مثل ذلك ، من غيرة السّلطان ، فما هو إلا أن شغل بوجعه ، حتى أنمى إليه بعض الغواة ، أن صاحب بجاية ، معتمل في الفرار ليسترجع بلده ، وبها يومئذ وزيره الكبير ، عبد الله بن علي ، فانبعث السّلطان لذلك ، وبادر بالقبض عليه . وكان فيما أنمي إليه ، أنّي داخلته في ذلك ، فقبض عليّ ، وامتحنني وحبسني ، وذلك في ثامن عشر صفر ، سنة ثمان وخمسين . ثم أطلق الأمير محمدا ، وما زلت أنا في اعتقاله ، إلى أن هلك . وخاطبته بين يدي مهلكه ، مستعطفا بقصيدة أولها : على أيّ حال لليالي أعاتب * وأيّ صروف للزّمان أغالب كفى حزنا أنّي على القرب نازح * وأنّي على دعوى شهودي غائب وأنّي على حكم الحوادث نازل * تسالمني طورا وطورا تحارب ومنها في التشوّق : سلوتهم إلا ادّكار معاهد * لها في الليالي الغابرات غرائب وإن نسيم الريح منهم يشوقني * إليهم وتصبيني البروق اللواعب وهي طويلة ، نحو مائتي بيتا ، « 233 » ذهبت عن حفظي ، فكان لها منه موقع ، وهشّ لها . وكان بتلمسان فوعد بالإفراج عني عند حلوله بفاس ، ولخمس ليال من حلوله
--> ( 233 ) قد ذكر ابن الأحمر في نثير الجمان ص 117 - 123 ( نسخة خاصة ) هذه القصيدة عند تعريفه بابن خلدون ، وجاءت عدة أبياتها هنالك 107 ، والظاهر من أسلوب ابن الأحمر أنه أورد القصيدة كلها . فهل نسي ابن خلدون عدد أبيات قصيدته ، أو أن ابن الأحمر اختار منها بعض أبياتها وترك الباقي ؟ ! .